محمد بن عبد الله الصفار
212
رحلة الصفار إلى فرنسا
وقال الشاعر : كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله * كذا تخلق المرء العيون اللوامح وأيضا فلا نهتدي للذهاب لموضع وحدنا لعدم معرفتنا البلد واللسان ، فلم نكن نخرج إلا بقائد وسائق ، فلنا عذر في عدم استقصاء أخبار هذه المدينة وأخبار أهلها . ولما دخلنا هذه المدينة ، أنزلونا بدار كانوا أعدوها لنا بالمحل المعروف عندهم بالشمزليزي المتقدم ذكره ، ومعنى هذه الكلمة عندهم رياض الجنة . وهو من منتزهاتهم ومحال فرجاتهم وتماشيهم ، وبه أشجار حسنة الشكل والترتيب والتصفيف ، وأحد جانبيه متصل بالنهر ، وابتداؤه من رياض السلطان وانتهاؤه إلى قوس عال لهم هناك كان بناه بونابرط « 1 » . فطوله ما يزيد على أربعة ستة آلاف خطوة « 2 » ، ومع طول مسافته فإنك إذا وقفت في ابتدائه ترى انتهاءه قبالة عينك في غاية من الاستقامة والاستواء . فاختاروا لنا هذه الدار في هذا المحل ، لأنه من أشرف محالهم . وإذا كان يوم مشمش خصوصا إذا كان يوم الأحد فإنه يوم بطالتهم ، فلا يبقى أحد في المدينة إلا جاء لهذا الموضع يتماشى فيه ويستريح مع من يليق به من رفقائه ، إما في الأكداش وإما على رجله . وكثير منهم يأتي إليه في الكدش ، فإذا وصله نزل وترك الكدش ينتظره ، وذهب يتماشى على رجليه حتى يقضي غرضه ويركب ، ويرى فيه وقتئذ من بنات الروم ما يلهي ويدهي . ولما دخلنا لهذه الدار ألفيناهم قد هيئوها لنا بأحسن ما عندهم ، قد قصروها علينا لا يدخلها إلا نحن وخدمنا ، وليست بوصاضة « 3 » كسائر ديار النزول لمطلق الناس .
--> - - C . E . Bosworth , " The Persian Impact on Arabic Literature " , in A . F . L . beeston et al . , eds . , Arabic Literature to the End of the Umayyad Period ( Cambridge , 1983 ) , p . 488 ; EI 2 , s . v . " Ardashir " . ( 1 ) انطلقت أشغال بناء قوس النصر المعروف تحت اسم أرك دو تريومف : ( Arc de Triomphe ) في باريز ، على عهد نابليون سنة 1806 ، وانتهت في 1836 . ( 2 ) وتعادل الخطوة مترا واحدا تقريبا . ( 3 ) انظر الهامش رقم 2 في الصفحات السابقة من هذا الكتاب .